مسائل حول قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ..)

9-11-2006 | إسلام ويب

السؤال:
مسألة في تفسير الآية (102) من سورة البقرة. مختصر تفسير ابن كثير (اختصار محمد علي الصابوني)
الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
تأويل ابن جرير للآية: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت).
المسألة الأولى: بناءً على ماذا اعتمد ابن جرير في تأويله لهذه الآية؟
المسألة الثانية: لماذا لا يكون تأويلها: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر الذي أُنزل على الملكين في بابل هاروت وماروت)؟
فهل هناك ما يثبت تأويل ابن جرير؟
المسألة الثالثة: إذا كان تأويل ابن جرير هو الصحيح، فما الحكمة من عدم تنزيلها بهذا الترتيب في القرآن الكريم؟
المسألة الرابعة: هل مثل أسئلة المسألة الثالثة حرام أو مكروه؟
أفدني بإسهاب، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اعتمد ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسير الآية على الآثار التي ذكرها بسنده عن ابن عباس والربيع، كما اعتمد على موافقة ذلك للغة العربية، وأجاب على احتمال الاعتراض عليه فقال -بعد ذكر الآثار التي أشرنا إليها-: فتأويل الآية على هذا المعنى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة: 102].
فيكون حينئذ قوله: ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه التقديم، فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون معنيًا بالملكين جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود -فيما ذكر- كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود فكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًا عليهم
. اهـ.

ثم ذكر أقوالا أخرى غير هذا التأويل، ومنها ما أشرت إليه في سؤالك الثاني.

وبناء عليه؛ تكون (ما) التي في قوله تعالى: وما أنزل على الملكين. موصولة بمعنى الذي، فيكون المعنى: وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانًا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر.

ثم ذكر الآثار الواردة في ذلك بسنده عن السلف، وناقش الاحتمالات والاعتراضات الواردة عليها، وبذلك يكون ابن جرير رحمه الله قد رد على استفسارك، وبإمكانك أن ترجع إلى تفسيره جامع البيان الجزء الخامس ص: 113، وما بعدها، لتجد أدلته من الآثار، وشواهد اللغة، وأقوال أهل العلم.

وأما نزول الآية على هذا النحو، فهو أسلوب من أساليب اللغة الذي يعتمد التقديم والتأخير والحذف، وليس في هذا النوع من الأسئلة مانع شرعي، ما دام القصد منه هو التعليم، وفهم كتاب الله تعالى الذي أنزل ليتدبر ويفهم؛ كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29].

والأسئلة وسيلة من وسائل الفهم والعلم والتدبر، وللمزيد من الفائدة نرجو أن تطلع على الفتويين: 35801، 47102.

والله أعلم.

www.islamweb.net