السؤال
والدي -حفظه الله- لم يصم رمضان لمدة سبع سنوات، وكان السبب في ذلك أَسْرَه في أحد السجون، حيث كان الإخوة يتعرّضون بشكل منتظم لشتى أنواع العذاب من أجل دينهم. كما كانوا يُمنعون من الصيام بكل الوسائل؛ فقد حُرموا من السحور، وكانت وجبة العشاء قليلةً عمدًا حتى لا تسدّ جوعهم، فلا يتمكنوا من الصيام، كما كانوا يُكرهون على الإفطار عن طريق إطعامهم قسرًا بواسطة أنبوب، إضافةً إلى الضرب والتعذيب والتهديد، بل وحتى القتل.
ولم يكن القتل هو الأمرَ الأكثرَ رعبًا، بل كانوا يتعرّضون لضغطٍ جسديٍّ ونفسيٍّ شديد، لدرجة أن كثيرًا منهم فقدوا عقولهم وجُنّوا. وبسبب ذلك كلِّه أصبح الصيام مستحيلًا وخطِرًا.
ومع ذلك كان والدي مخلصًا في رغبته في الصيام، لكنه كان يخشى على حياته وصحته.
والآن يبلغ أبي من العمر (53) عامًا، وقد قضى (17) سنة في السجون، حيث سُلبت منه صحته وقوته. فما الحكم في هذه الحالة؟ هل عليه قضاء جميع أيام الصيام التي فاتته، أم إن هناك حكمًا آخر في الشريعة لمثل وضعه؟
بارك الله فيكم.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
ففي البداية نسأل الله تعالى الثبات لوالدك، وأن يثيبه على ما تلقاه من تعب ومعاناة.
والذي يظهر من سؤالك أن الوالد يحتمل أنه كان يفطر في رمضان على إحدى الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى هي: أنه يصوم، لكنه يُكرَه على الفطر في نهار رمضان (بإطعامه بغير اختيار منه مثلاً)، وفي هذه الحالة فإن صومه مجزئ إذا لم يتناول مفطرًا مختارًا بعد زوال إكراهه عند كثير من أهل العلم، ويجوز له تقليد هذا القول، وبالتالي؛ فلا يلزمه القضاء. وراجعي التفصيل في الفتوى: 137584.
الحالة الثانية: أنه كان يترك الصوم لعجزه عنه بسبب شدة الجوع، أو العطش، أو للخوف من السجانين مثلاً، فيجب عليه القضاء في هذه الحالة؛ لكونه في حكم المريض.
قال النووي في المجموع: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك، لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا)، وقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ويلزمه القضاء كالمريض، والله أعلم. اهـ.
وقال ابن قدامة في الكافي: والصحيح إذا خاف على نفسه لشدة عطش أو جوع، ونحو ذلك، فله الفطر ويقضي؛ لأنه خائف على نفسه، أشبه المريض. اهـ.
لكن كان على الأب المذكور تبييت النية، فإن قدر على إتمامه فبها ونعمت، وإن أكرِه على الفطر، فلا قضاء عليه عند بعض أهل العلم، كما تقدم، وإن لحقته مشقة بالصوم أفطر وعليه القضاء. فمن كان قادرًا على الصوم وقت الشروع، وجب عليه تبييت النية.
يقول النووي في المجموع: فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض، واحتاج إلى الفطر أفطر والله أعلم. اهـ.
وفي حاشية قليوبي: ومثل ذلك نحو حصاد وبناء وحارس ولو متبرعا، فتجب عليه النية ليلا، ثم إن لحقته مشقة أفطر. اهـ.
والله أعلم.