أكره الذنوب ولكني لا أشعر بالندم عند التوبة منها، فما الحل؟

2026-04-26 01:33:28 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد التزمتُ منذ مدة ثم انتكست، وأنا في هذه الانتكاسة منذ أكثر من عام، وقد أثّرت الذنوب فيّ أثراً عظيماً؛ فأصبحتُ بارداً بلا مشاعر ولا إحساس، لا أندم ولا أشعر بأي شعور عندما أعصي الله سبحانه وتعالى، حتى إن رغبتي في التوبة انعدمت لفترة طويلة، وبعد أن أصبتُ بعدة ابتلاءات، أصبحتُ أخاف من عقاب الله وأرغب في الراحة في الدنيا، وأريد أن أتوب لله سبحانه وتعالى.

ومن هنا يبرز سؤال في مسألتين أصبت فيهما بالإرهاق، وعطلني عن التوبة، وأتمنى أن تفيدوني فيهما بأدلة من القرآن والسنة النبوية وآراء كبار العلماء:

المسألة الأولى: هل تجوز التوبة رغبةً في "الراحة في الدنيا"؟ وإذا كان لا يجوز، فماذا أفعل إذا كانت الرغبة الداخلية الغالبة هي الراحة الدنيوية، وهي من الرغبات التي لا يمكن إخمادها أو تجاهلها؟ وسبب سؤالي هو أن كثيراً من العلماء الأفاضل قالوا إن التوبة من أجل الدنيا لا تجوز وليست بتوبة، وأود التنويه بأن توبتي -وإن كان غرضها الدنيا- فهي ليست للدنيا فقط، بل للدنيا والآخرة معاً، وهذه نيتي، فهل إذا كانت التوبة من أجل الرزق، أو راحة البال، أو المنافع الدنيوية بشكل عام؛ فهل هي جائزة أم لا؟

المسألة الثانية: "الندم"؛ هل توبتي صحيحة إذا كنت لا أشعر بالندم (بالمعنى العاطفي)؟ أي أنني أعلم بأن الذنب الذي أفعله باطل وأريد أن أغير نفسي وأتوقف، ولكن مشاعري باردة متبلدة، ولا أشعر بحزن أو حرقة في قلبي من الذنوب.

أنا لا أقبل الذنب ولا أريده، وقد يضيق صدري منه وقد لا يضيق، لكنني لا أشعر بذلك الندم القلبي المحرق على ما فاتني، وإذا كانت توبتي غير صحيحة بغير هذه المشاعر، فما السبيل للشعور بالندم؟ وهل الطريق هو "التكلف" بالندم واستحضاره؟ وهل استحضاره أمام نفسي يكون مصطنعاً أو نوعاً من النفاق؟

أرجو إفادتي، خاصة وأنني أعاني من أفكار وسواسية منذ عام، وأخشى أن أكون موسوساً في هذا الأمر.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ User حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى أن يمن عليك بالهداية والتوبة، وأن يثبتك على الخير ويعينك عليه.

نحن نشكر لك -أيها الحبيب- تواصلك بالموقع، وقد سُررنا بهذه الهموم التي تحملها، وهي هم التوبة وكيفية تحصيلها، فنرجو الله تعالى أن يوفقك لاتخاذ القرار الصحيح بالتوبة حقيقة من غير تأخير أو تسويف أو تأجيل؛ لا تؤجل، فإن الإنسان لا يدري ما الذي يحصل له بعد ساعة، وقد حذرنا الله تعالى من الاغترار بطول الأمل، وتأجيل الأعمال إلى الغد؛ فإن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الأجل.

والتوبة -أيها الحبيب- واجبة من كل ذنب، وواجبة على كل الناس كما قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياك توبة صالحة صادقة نصوحًا.

وسؤالك الأول -أيها الحبيب- نجيبك عنه من حيث انتهيتَ فيه، فأنت صرَّحت بأن توبتك تقصد بها الدنيا والآخرة، وأن هذه هي نيتك، وهذا هو المتوقع من الإنسان المسلم؛ فالإنسان المسلم إذا عمل عملًا من أعمال الطاعات وأعمال الآخرة؛ فإنه لا يُتصوَّر في حقه أنه يقصد الدنيا فقط ولا يقصد وجه الله، ولا يقصد ثواب الله في الدار الآخرة، لكن قد تغلب عليه مطالب الدنيا، وقد تغلب عليه مطالب الآخرة.

وعلى كل حال: فقصده في نيته الدنيا والآخرة ليس طعنًا في إخلاصه، ولا مبطلاً لعمله، وقد حثَّنا الله تعالى على طلب الدنيا والآخرة من الله كما قال سبحانه وتعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}، وقال سبحانه وتعالى في آيات الحج من سورة البقرة: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}.

وقد علَّمنا الله في كتابه أن ندعو بما يجمع خير الدنيا والآخرة، فوصف في آيات الحج أن دعاء المؤمنين الصالحين أنهم يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، وحسنة الدنيا تشمل كل راحاتها ونعيمها ولذائذها المباحة الجائزة.

فنصيحتنا -أيها الحبيب- ألَّا تُصْغي أبدًا لمحاولة الشيطان في صدك عن التوبة بحجة أنك تريد راحة الدنيا، اعزم على التوبة وسارع إليها بغير تأخير، وإذا قصدت بتوبتك تحصيل منافع الدنيا والآخرة فهذه نية جائزة ليست مبطلة للعمل، وعملك صحيح وتوبتك -إن شاء الله- مقبولة.

أمَّا السؤال الثاني -أيها الحبيب- وهو عدم شعورك بالحزن أو الباعث على التوبة، فهذا تحصيله يكون بالأخذ بأسباب هذا التحصيل، وأهم الأسباب لزرع الخوف في القلب والندم على فعل المعصية: أن يتذكَّر الإنسان أمورًا:

1. أول هذه الأمور: أن يتذكَّر العقاب الذي أعده الله تعالى لفعل هذه المعصية، فإن الله تعالى بالمرصاد كما قال الله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، وكل واحد مِنَّا سيصير إلى الله تعالى، والله تعالى يغار، ومن غيرته أن يأتي الإنسان ما حرمه الله تعالى عليه، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ.

فإذا تذكر الإنسان أن هذا الذنب له رب يحاسب به، ويوقع العقاب على صاحبه، وأنه صائر إلى هذا الرب لا محالة، ولا ملجأ منه إلى أحد غيره، فإن هذا سيزرع في قلبه الخوف، ومن ثم سيوجد الندم في هذا القلب.

2. ومن الأمور التي ينبغي أن يتذكَّرها ليخاف: أن يتذكَّر أنه ربما فاجأه الموت بغتة فمات على هذا الذنب قبل أن يتوب، وهذا أيضًا يخوفه ويدفعه نحو المسارعة إلى التوبة.

3. ومن الأشياء التي يتذكَّرها أيضًا ليخاف: أن يتذكَّر فعل الله تعالى بالمعاندين الذين يمهلون التوبة ويؤخرونها ويؤجلونها، فإن الله تعالى حذرهم في القرآن أنه ربما عاقبهم عقابًا عاجلاً في الدنيا بأن يصرف قلوبهم عن محبة التوبة والرغبة فيها والعزم عليها، فيصيرون لاهين غافلين، فيستمرون في أنواع الذنوب والمعاصي حتى يفاجئهم الموت وهم على ذلك، والله قد قال في كتابه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}.

فتذكُّر هذه الأمور الثلاثة من شأنه أن يزرع في قلب الإنسان الخوف والقلق، ومن ثم الندم على فعله المعصية فيسارع إلى التوبة.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإيَّاك لكل خير.

www.islamweb.net