الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انزلقت في طريق المواقع الإباحية وأخشى أن يحرمني الله التوفيق

السؤال

السلام عليكم.

أنا شاب تظهر عليَّ سمات الصلاح؛ من صدق في القول، وبرٍّ بالوالدين، وحرصٍ على قراءة القرآن واستماعه يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، أتمتع بفضل الله بأخلاق حميدة، ولم أقع في قذف المحصنات قط، وأحوز على احترام الجميع، حتى من أولئك الذين يعانون من سوء الخلق، لا أمتلك أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أحمل هاتفاً محمولاً، ومهتم بالعلم والقراءة.

أنا الآن في الثانوية العامة، ولم يتبقَ على امتحاناتي سوى شهرين، بدأت مشكلتي في مقتبل بلوغي؛ إذ لم أكن مدركاً لحقيقة المواقع الإباحية والعادة السرية، حتى قام أحد المعلمين -هداه الله- بإلقاء "نكتة" أمام أحد الطلاب متسائلاً عما يفعله على هاتفه، وهل يتصفح تلك المواقع؟ علق هذا الأمر في ذهني، ومن باب الفضول بحثتُ عنها، ومنذ ذلك الوقت وأنا أقع في الذنب ثم أتوب، وأعود ثم أندم.

أشعر بالخزي كل مرة؛ فكيف أعصي الله الذي وهبني نِعماً لا تُحصى؟ أحاول الابتعاد، وقطعتُ صلتي بمواقع التواصل لتجنب إثارة الشهوة، وأكون في أسعد أيامي بعد التوبة ومنشغلاً بدراستي وتفسير القرآن، ولكن ما إن يمر شهر حتى تشتد الشهوة، ويهمس الشيطان في ذهني بهواجس حول القدرة على الإنجاب مستقبلاً، ويقنعني بضرورة التأكد من سلامتي الجنسية (ولا أدري كيف أصدق ذلك).

ينعكس أثر الهم والضيق على وجهي بعد الذنب، وأخشى أن يحرمني الله التوفيق في دراستي؛ لأن المعاصي من أسباب حرمان الرزق.

أدرس حالياً بكل جهدي، لأحقق أمل والديَّ في دخول كلية الطب، وقد أنعم الله عليَّ العام الماضي بمعدل ممتاز، لكنني وقعتُ بعدها في هذا الذنب وشعرتُ برغبة في إنهاء حياتي لشدة خجلي من الله.

دعوتُ الله كثيراً أن يعصمني، وحاولتُ الصيام وكان حلاً ممتازاً، لكن والديَّ منعاني منه لصعوبة المرحلة الدراسية، فماذا أفعل؟ وهل يحرمني الله التوفيق؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل..

بدايةً: هنيئًا لك هذا التوجه الطيب نحو العلم والقرآن والحرص على الطاعات، ونبشرك بأن هذا الهم والخوف على استقامة قلبك دليل خير بإذن الله تعالى؛ فهذه النفس اللوامة التي تلومك على التقصير وتدفعك للخير وتحثك عليه أقسم الله تعالى بها فقال سبحانه: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾.

أخي العزيز: حال المؤمن الصالح الخوف من ذنوبه وخشية أثرها في حياته كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنوبه كذباب مر بأنفه فقال به هكذا)، فالخوف من الذنب والمبادرة إلى التوبة، والاجتهاد في محو آثار الذنوب بالإكثار من الأعمال الصالحة؛ هذا هو حال الصالحين إذا زلّت منهم الأقدام في لحظات ضعف وجهل، لذلك هناك أمور مهمة ينبغي أن تكون على وعي تام بها لارتباطها الوثيق بما تمر به.

الأمر الأول: أخي الغالي ينبغي أن تعلم أنه لا يوجد بشر معصوم من الخطأ، ولا من الزلل، حتى أهل التقوى والصلاح، تقع منهم الذنوب والمعاصي، إلا أن الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم يندمون ويصيبهم الحزن من ذنوبهم فيبادرون إلى التوبة مسرعين دون تسويف أو تأخير، ويكثرون من الصالحات والقُربات التي تمحو أثر الذنب في النفس وتعيد للمؤمن روحانيته، وقربه من الله تعالى، يقول الله تعالى في حال المتقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، وفي الحديث في صحيح مسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ)، ومعرفتك ووعيك بهذا الأمر تعني؟

أولًا: من طبيعة البشر الوقوع في الخطأ والذنوب، وهو أساس في الحكمة في التكليفات الشرعية.

ثانيًا: لا يوجد أحد معصوم من الخطأ والمعاصي غير الأنبياء عصمهم الله بالوحي.

ثالثًا: لا يعني أن من طبيعة الإنسان أن يقع في المعصية والخطأ أن يكون هذا مبررًا لارتكاب الذنوب والمعاصي، ولكنه باب للتعلم من الأخطاء والاجتهاد في سد أبواب الفتنة والمعاصي قدر الاستطاعة، وفي ذلك تزكية للنفس، وبناء للقلب من الانحراف.

رابعًا: تبصرة الإنسان بعيوب نفسه ومواطن الضعف فيه، فيتنبه لها، ويجتهد في التركيز عليها لتتحقق له الاستقامة.

خامسًا: تعلُّق القلب الدائم بالله تعالى، وعدم الاغترار بكثرة العمل الصالح، فهناك من الناس من إذا كثرت أعماله وعلمه شعر بالزهو وغرور العمل، فربما احتقر أهل المعاصي والذنوب، فوقوعه في الذنب يكسر هذه المشاعر، ويجعله يدرك فقره وحاجته لله تعالى، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ).

الأمر الثاني: أخي الغالي لا ينبغي أن يكون الوقوع في الذنب سببًا في القنوط أو اليأس أو احتقار الذات، فلا شك أن المؤمن يشعر بألم المعصية أكثر من غيره؛ لأن قلبه أطهر وأنقى ومتعلق بالله تعالى، ولكن لا ينبغي أن تفتح بابًا للشيطان ليدخل منه إلى قلبك فيجعلك تيأس من التوبة بسبب كثرة الذنوب أو عظمها؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، لاحظ الآية (أسرفوا) أي كثرة ذنوبهم حد الإسراف، ثم قال (لا تقنطوا) لا ينبغي أن يكون هذا الإسراف سببًا وبابًا لليأس والقنوط من التوبة، ثم قال (إن الله يغفر الذنوب جميعًا) سدًا لأي احتمال يقذفه الشيطان في القلب من باب "ذنوبي كبيرة وكثيرة وعظيمة ومتكررة " فقطع الله أي وهم ويأس بقوله: (إن الله يغفر الذنوب جميعًا)، وهذا الأمر تتعلم منه، وتدرك التالي:

أولًا: مهما تكرر الذنب وتعدد فباب التوبة مفتوح في أي وقت ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو تبلغ الروح الحلقوم عند الموت.

ثانيًا: لا ينبغي اليأس والقنوط من رحمة الله؛ لأن القنوط أشد من الذنب ذاته، فهو قرين الكفر بالله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

ثالثًا: المبالغة في الحزن، واحتقار النفس، وجلد الذات إذا استمر في النفس فإنه باب يدخل منه الشيطان لتقنيط العبد من رحمة الله.

رابعًا: الذنوب تتفاوت وتختلف مراتبها فلا تجعلها في ميزان واحد، فرغم أن المؤمن يستعظم الذنوب مهما كانت - لإيمانه بعظمة من يعصي- لكن لا ينبغي أن يجعل الذنوب في مرتبة واحدة، فهناك ذنوب تكفرها الصلوات الخمس والوضوء وكثرة الاستغفار والصدقة وغيرها، يقول سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾.

الأمر الثالث: أخي الغالي كيف تتخلص من العادة السرية، وما يرافقها من النظر للإباحيات وما يثير الشهوة؟

هذا الأمر يحتاج منك إلى إصرار وعزيمة قوية؛ لأنه مرتبط بجانب أصيل في النفس لا يمكن إغلاقه وهو الشهوة -وأنت في سن اشتداد الشهوة وقوتها- فكبت الشهوة والغريزة بشكل دائم هو مصادم للفطرة، لكننا أمرنا بكل ما يوجهها للمسار الصحيح فأمرنا بالزواج: (مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)، وأمرنا بإغلاق أبواب الفتنة وأسباب تأجج الشهوة فحرم النظر إلى الحرام وتتبع الفواحش فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾.

لذلك أخي الغالي بعد وعيك لكل ما سبق ننصحك بالتالي:

أولًا: عدم التوقف عن التوبة مهما تكرر الذنب، فجدد التوبة مع كل ذنب، وكل معصية، ولا تغفل عن الاستغفار في كل وقت وحين.

ثانيًا: ألم المعصية ومشاعر الندم ينبغي أن تدفعك للتوبة، والإكثار من العمل الصالح، وليس القنوط واليأس، وجلد الذات.

ثالثًا: تجنب الوهم الذي يقذفه الشيطان في نفسك أنك ربما مصاب بالعقم، وأنك لا بد أن تتأكد من صحتك ونحو ذلك؛ فهذا باب تدرك تمامًا أنه استدراج وخداع يحدث عندما تكون النفس في أشد لحظات الضعف كنوع من التبرير للدخول في الخطأ.

رابعا :إذا شعرت برغبة لهذا الفعل القبيح بادر إلى الأمور التالية:

- استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وانفث عن يسارك نفثًا خفيفًا.

- اكسر حالة التفكير بهذه الشهوات من خلال الانشغال بأي شيء آخر مفيد ونافع، مثلًا إن كنت وحدك اخرج للمسجد، أو قم للصلاة، أو غير من وضعيتك إلى أي نشاط مختلف؛ هذا الأمر يساعد على كسر عوامل الدخول في هذا الفعل المحرم.

- ابتعد عن كل ما يذكرك بهذه الأمور سواء من الأصدقاء، أو مواقع التواصل، أو حتى الجوال –وقد فعلت والحمد لله– وأنت بهذا الأمر تحمي نفسك في هذه الفترة الحرجة من أي مشوشات تعوق حياتك، أو توقف تقدمك الدراسي.

أخيرًا: أخي الغالي، هذه الأمور جميعًا تحتاج منك إلى صبر ومجاهدة وتدرج، فلا تستعجل النتائج، ومع الوقت والمجاهدة والصبر بإذن الله تعالى تصل إلى تحقيق ما تريد يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

أكثر من العبادات كالصلاة والصوم، وقراءة القرآن، والإكثار من ذكر الله تعالى، فإذا قوي القلب صمد أمام الشهوات والملذات، وقوي على مواجهة تلك المعاصي ورفضها، وابتعد عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).

ولا تنس مداومة التضرع لله تعالى، والدعاء أدبار الصلوات وبين الأذان والإقامة، وفي قيام الليل أن يُجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ كل هذا مما يعينك ويقوي قلبك على مواجهة تلك الشهوات.

وفقك الله، ويسر أمرك، وأعانك على نفسك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً