الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشعور بعدم قبول التوبة: هل هو وسواس أم ابتلاء؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من نوبات هلع، وفزع، وخوف شديد من الموت، مما سبّب لي أعراضًا جسدية، وضيقًا في التنفّس، وخوفًًا حتى أثناء الصلاة.

أنا أعلم علم اليقين أن الموت حق، وأننا جميعًا سنموت، وأن الآجال بيد الله، وأن أجل الله إذا جاء لا يؤخَّر، وأن هذه الدنيا فانية، وأن الآخرة هي دار القرار، كما أعلم يقينًا أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأن من رحمنا في الدنيا سيرحمنا في الآخرة، لكنني أخاف من ذنوبي، وأخشى ألا تُقبل توبتي، ولا أعمالي.

أعلم أن الله غفور رحيم يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ولكن تراودني أفكار مثل: ماذا لو كانت توبتي غير صادقة؟ أو كان قلبي لاهيًا؟ أو نيتي غير خالصة؟ وماذا لو متُّ على حال لا تُرضي الله؟هذه الأفكار تجول في رأسي ليلًا ونهارًا، وقد أصبت بسببها بتعب جسدي، وأهملت نفسي وأطفالي.

أصبحت -ولله الحمد- أحافظ على الصلوات أكثر، وكذلك السنن الرواتب، وقيام الليل، ولدي ورد يومي من القرآن، وأحافظ على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وكذلك الذكر المطلق، وأحاول الابتعاد عن كل ما يغضب الله، لكنني في النهاية بشر، لا أستطيع أن أكون على نفس الوتيرة دائمًا.

أشعر أنني في جهاد حقيقي، خاصة أنني لم أنشّأ في بيئة إسلامية صحيحة، ولم أتلقَّ العلم بالله إلا متأخرة، ففاتني كثير من الخير، وكنت واقعة في ذنوب ومعاصٍ كثيرة، وبسبب جهلي كنت أظن أنني على خير.

وعندما بدأت بتعلّم العلم الشرعي أصبت بصدمة كبيرة، وتنبهت لغفلتي، وأحمد الله على ذلك، لكن شعور الذنب، وإحساسي بأنني غير مستعدة أبدًا للقاء الله -ليس كرهًا في لقاء الله، وإنما خوفًا من سوء عملي وتقصيري-، يرافقني منذ بداية نوبات الهلع، فهل ما أمرّ به عقوبة من الله على غفلتي؟ أم هو ابتلاء يحتاج إلى مجاهدة وصبر؟ أم هو وسواس من الشيطان ليُثبّطني بعد توبتي؟

كما أنني أصبحت أشعر أن كل وقت لا يكون فيه صلاة، أو قرآن، أو ذكر هو تضييع للوقت، مما أفقدني متعة الأشياء، وأصبحت أميل للكآبة.

أرشدوني، بارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Khalaf حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعل ما تجدين رفعة لك لا شقاء، وأن يبدل خوفك أمنًا وطمأنينةً، وبعد:

فإن ما تمرين به أمر مفهوم، وله تفسيره المعلوم، وله طريقة علاج -بإذن الله-، فانتبهي لما يلي:

1- أول ما ينبغي أن يطمئن قلبك إليه: أن اجتماع الخوف والرجاء علامة حياة القلب لا فساده، وأن خوفك من الذنب ليس دليلاً على بعدك، بل على قربك، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن سَرَّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، فحزنك على التقصير من دلائل الإيمان لا من دلائل الهلاك، فاحمدي الله على ذلك.

2- ما تجدينه من أفكار مثل: هل قُبلت توبتي، هل نيتي صادقة، هل أموت على سوء حال؟ هذا كله من وساوس الشيطان بعد التوبة؛ لأنه عجز أن يمنعك من الرجوع، فأراد أن يفسد عليك الطمأنينة، وهذه وسيلة من وسائل الشيطان، لأنه العدو الرئيس لك، وقد قال تعالى: (إِنَّ الشَّيطانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا) فاحذري منه ولا تفتحي له هذا الباب.

3- القاعدة العظيمة التي يجب أن تستقري عليها: أن الله وعد بقبول التوبة، ولم يأمرك بتفتيش قلبك بعد ذلك، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبادِهِ)، فمن تاب، وصدق في رجوعه، فالأصل أن الله قبله، والانشغال بعد ذلك بالتشكيك باب وسواس لا نهاية له.

4- قولك: أخاف ألا تُقبل توبتي؟ هو كذلك من الشيطان، ويريد أن يستقر هذا المعنى في قلبك حتى يصل بك إلى القنوط، والله يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ويقول في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» فاجتهدي أن يكون ظنك بالله حسنًا، ولا يوهن عزيمتك الشيطان، ولا يقنطك من رحمة الله.

5- ما تمرين به ليس عقوبة محضة، بل هو في الغالب اجتماع ثلاثة أمور:
- يقظة قلب بعد غفلة.
- ووسواس يريد أن يفسد هذه اليقظة.
- وأثر نفسي من الخوف الشديد؛ ولهذا ترين الأمور أكبر من حجمها الحقيقي.

6- خوفك من الموت في أصله محمود، لكنه إذا تحول إلى فزع يشلّك، ويمنعك من الحياة، وصار بحاجة إلى علاج؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أكثِروا ذِكرَ هادمِ اللذّاتِ»، ليحيا القلب، لا ليضطرب.

7- شعورك بأنك غير مستعدة للقاء الله شعور مر به الصالحون، لكنه كان يدفعهم للعمل مع حسن الظن، لا إلى اليأس، فاجمعي بين خوف يحركك، ورجاء يثبتك.

8- كونك لم تنشئي في بيئة صالحة، ثم هداك الله، فعل خير، بل هو من أعظم نعم الله عليك، فلا تنظري لما فات، بل لما أُعطيت الآن، ولما هداك الله إليه من صلاة، وذكر، وقرآن، وقيام، فهذا دليل واضح أن الله أراد بك خيرًا؛ فلا يجمع الله لعبد بين التوفيق للطاعة، وإرادة رده، فاطمئني لهذه العلامات.

9- ليس كل وقت لا يكون فيه صلاة، أو ذكر تضييع؛ بل حياتك كلها يمكن أن تكون عبادة إذا صحت النية، رعايتك لأطفالك، واهتمامك بنفسك، وراحتك، كل ذلك من الدين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «وفي بُضعِ أحدِكم صدقة» وهذا يعني أن الحياة كلها قد تكون محراب طاعة، إذا جدد العبد نيته في كل عمل صالح يقوم به.

10- التشديد على النفس حتى تفقد التوازن ليس من السنة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «هَلَكَ المُتَنَطِّعونَ»، وقال: «إنَّ هذا الدينَ يُسر»، فخذي من العمل ما تستمرين عليه.

11- إذا جاءت نوبة الهلع:
- لا تناقشي الفكرة.
- ذكّري نفسك أن هذا خوف عابر.
- أشغلي نفسك مباشرة، ومع التكرار سيضعف أثرها -بإذن الله-.

المهم ألا تبقي وحدك مع هذه الأفكار، بل اقتربي ممن تثقين بهم؛ لأن العزلة تزيد الوسواس، والصحبة الصالحة توازن القلب، وأن تحافظي على الأذكار الصباحية والمسائية وأذكار النوم

12- الأخذ بالأسباب العلاجية لا ينافي الإيمان؛ بل هو من السنة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «تداوَوا عبادَ اللهِ» لذا نوصيك -مع الأخذ بما سبق- أن تستشيري طبيبًا.

13- تذكري دائمًا أن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لا يريد لك العذاب، بل الهداية، وأنه إذا رأى منك صدقًا أعانك، وإذا رأى منك ضعفًا رحمك؛ فطريقك إلى الله طريق رحمة لا طريق قسوة.

وفي الختام: نسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الخوف والوسواس، ويملأ قلبك يقينًا وطمأنينة، ويرزقك حسن الظن به، ويجعلك من عباده الذين جمعوا بين الخوف والرجاء حتى لقوه وهو راضٍ عنهم، والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة