الخطبة الأولى
الحمد لله تعالى العظيمِ في ذاته وصفاته، الكبيرِ في جلاله وكبريائه، الذي له العظمةُ المطلقةُ والكبرياءُ التامة، أمر بتعظيمه وتعظيم شعائره، وجعل ذلك من تقوى القلوب، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي كان أعظم الناس تعظيمًا لربه، وأكملهم امتثالًا لأمره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
أما بعد، عباد الله: من أعظم ما ينبغي أن يُعمر به القلب، وأن يُغرس في أعماق النفس، تعظيم الله تعالى، فإن تعظيم الله تعالى أصل كل خير، ومنبع كل طاعة، ومفتاح كل استقامة، وهو الميزان الذي توزن به الأعمال، فإذا عظم الله تعالى في قلب العبد استقامت جوارح العبد، وصلح ظاهره وباطنه، وخضع لأمر الله، وانقاد لشرعه، وابتعد عن معصيته، لأنه تعظيمه لربه يقوده إلى تعظيم أمره ونهيه، فلا يقدّم عليه شيئًا، ولا يزاحمه في قلبه حب أحد دونه ولا خوفه ولا رجاءه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67]، فذمّ من لم يعظمه حق تعظيمه، لأن أصل الانحراف إنما يبدأ من هنا، من ضعف تعظيم الله تعالى في القلب، فإذا ضعف هذا التعظيم، تجرأ العبد على المعصية، واستهان بالذنب، وتهاون في الطاعة، وربما رأى المعصية أمرًا هيّنًا، وغفل أن الذي عصاه هو ربه العظيم، أما إذا امتلأ القلب بتعظيم الله تعالى استحيا منه في خلوته قبل علانيته، وخافه في سره قبل جهاره، وراقبه في كل حال، وقدّم أمره على هواه، وجعل رضاه غايته، فلا يتحرك إلا وفق ما يرضيه، ولا يسكن إلا حيث يأذن له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي، فهذا الحديث العظيم يغرس في القلب تعظيم الله تعالى، ويجعل العبد متعلقًا بربه، غير ملتفت إلى غيره، لأنه يعلم أن الأمر كله بيده سبحانه، وأنه لا نافع ولا ضار سواه.
أيها المسلمون: إن تعظيم الله تعالى يكون بمعرفته، فكلما ازداد العبد علمًا بأسماء الله تعالى وصفاته، ازداد تعظيمه له، لأن الجهل بالله تعالى من أعظم أسباب ضعف التعظيم، ومن أعظم أسباب الغفلة والجرأة على المعصية، فمن علم أن الله تعالى سميع بصير، راقب سمعه وبصره، فلم يستعملهما إلا فيما يرضي الله تعالى، ومن علم أنه عليم خبير، استحيا أن يطّلع منه على معصية، لأنه يعلم أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن علم أنه شديد العقاب، خاف من الذنوب، وهرب من المعاصي، ومن علم أنه غفور رحيم، رجاه وأناب إليه، ولم يقنط من رحمته، بل جمع بين الخوف والرجاء، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فالعلم بالله تعالى هو طريق التعظيم، وهو أصل الخشية، وهو الذي يجعل القلب حاضرًا مع الله تعالى في كل حال، لا يغيب عنه ولا يغفل، ولذلك كان من أعظم ما يورث هذا التعظيم تدبر القرآن، فإنه كلام الله تعالى، وكلما ازداد العبد تدبرًا له، ازداد معرفةً بربه، وكذلك النظر في آيات الله تعالى الكونية، والتأمل في خلق السماوات والأرض، وفي النفس وما فيها من عجائب، فإن ذلك كله يورث تعظيمًا لله تعالى، قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، فهذه الآيات تفتح للعبد باب التعظيم، وتجعله يعيش مع عظمة الله تعالى في كل شأن من شؤون حياته، في نومه ويقظته، في عمله وعبادته.
أيها المؤمنون: ومن أعظم مظاهر تعظيم الله تعالى تعظيم شعائره، فإن الشعائر هي معالم الدين الظاهرة، التي تدل على ما في القلب من تعظيم لله تعالى، قال تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، فتعظيم الصلاة يكون بالمحافظة عليها في أوقاتها، وإقامتها بخشوعٍ وخضوع، وتعظيم المساجد يكون بحفظ حرمتها وعمارتها بالطاعة، وتعظيم القرآن يكون بتلاوته وتدبره والعمل به، وتعظيم الأذان يكون بالإجابة له والمسارعة إلى الصلاة، وتعظيم الحج والعمرة يكون بأدائهما على الوجه الذي يرضي الله تعالى، وتعظيم سائر شعائر الإسلام يكون بإجلالها وعدم التهاون بها، فالمؤمن إذا سمع الأذان بادر، لأنه يعظّم أمر الله تعالى، وإذا دخل المسجد دخل بسكينة ووقار، لأنه يعظّم بيت الله تعالى، وإذا وقف في الصلاة استحضر عظمة الله تعالى، فخشع قلبه وسكنت جوارحه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم في الصلاة فإنما يناجي ربه فلينظر بما يناجيه) رواه البخاري، فاستحضار هذا المعنى يورث تعظيمًا لله تعالى في العبادة، ويجعلها حيّةً في قلب العبد، أما من ضعف تعظيمه للشعائر، فإنه يفرّط فيها، ويتهاون بها، وربما استهان بها، فترى الصلاة عنده أمرًا ثانويًا، والمسجد لا مكان له في قلبه، والقرآن مهجور في حياته، وذلك كله دليل على ضعف ما في قلبه من تعظيم لله تعالى، فليحذر العبد من هذا الخلل العظيم، وليعلم أن تعظيم الشعائر هو مرآة تعظيم الله تعالى في القلب، وأنه كلما عظمت الشعائر في حياته، دلّ ذلك على عظمة الله تعالى في قلبه، والعكس بالعكس.
عباد الله: ومن أعظم ما يناقض تعظيم الله تعالى الاستهانة بالمعاصي، فإن العبد إذا نظر إلى الذنب على أنه صغير، فقد نظر إلى الذنب بعين الغفلة، ولم ينظر إلى عظمة من عصاه، قال بعض السلف: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت"، فالمؤمن يعظم أمر الله تعالى، فلا يستهين بذنب، ولا يتهاون بمعصية، لأنه يعلم أن الله تعالى عظيم، وأن مخالفته ليست بالأمر الهيّن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب) رواه أحمد، فالصغائر إذا اجتمعت أهلكت صاحبها، لأن أصلها ضعف تعظيم الله تعالى.
أيها المسلمون: إن واقعنا اليوم يشهد ضعفًا في تعظيم الله تعالى عند كثير من الناس، يظهر ذلك في التهاون بالصلاة، والتجرؤ على المحرمات، والاستهانة بالشعائر، والانشغال بالدنيا عن الآخرة، وكل ذلك سببه ضعف تعظيم الله تعالى في القلوب، ولو عظم الله تعالى في قلوبنا، لما تجرأنا على معصيته، ولما قصّرنا في طاعته، ولما قدّمنا شيئًا على أمره، ولهذا كان من أعظم ما يجب على العبد أن يجتهد في تحقيقه أن يعظم الله تعالى في قلبه، وأن يربي نفسه على ذلك، حتى يكون هذا التعظيم هو الحاكم على سلوكه وحياته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله تعالى على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
عباد الله: إن تعظيم الله تعالى وتعظيم شعائره هو أساس التقوى، فمن عظم الله تعالى في قلبه عظّم أوامره ونواهيه، وعظّم شعائره، فاستقام على طاعته، وابتعد عن معصيته، ومن ضعف تعظيمه لله تعالى، ضعف التزامه، وتهاون في دينه، فاحرصوا على تعظيم الله تعالى في قلوبكم، وتعظيم شعائره في أعمالكم، فهو سبب النجاة في الدنيا والآخرة.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

