أصبحنا في عصرٍ صارت فيه الكلمة الرقمية تُقاس بعدد الإعجابات، وتُوزن بقيمة إعادة النشر، وتُمنح شرعيتها من سيل الثناء، والتعليقات، ونشأ داءٌ جديد في الوعي الجمعي، يمكن تسميته": الطمع في الثناء على التغريدات" وهو طمعٌ لا يقل خطرًا عن أطماع المال، والسلطان، الذي كان العلماء يحذرون منه.
بل لعلّ حب الإعجابات أشد خفاءً وأعمق أثرًا؛ لأنه يتسلل إلى النيات، ويفسد المقاصد، ويعيد تشكيل الإنسان من داخله وهو يظن أنه إنما يُحسن صنعا.
لقد تحولت منصات التواصل، في كثير من وجوهها، من فضاءات للتعبير والتفكير، إلى أسواقٍ للمديح، يتزاحم فيها الناس على اقتناص الإعجاب، ويقيسون قيمتهم بعدد المتابعين، ويستدلون على صدق أفكارهم بكثرة التصفيق لها.
ولا شك أن هناك فرقا جوهريا بين الفرح المشروع بالثناء، والطمع المذل فيه؛ ذاك الفرق الذي نبه إليه العقلاء منذ قرون، حين رسموا موقف العاقل من المديح والذم رسمًا دقيقًا لا يختل مع تغير الأزمنة.
فالعاقل، إذا أُثني عليه بما يسره، لا يستقبل الثناء استقبال البطرين المنتشين، بل فرح الشاكرين الواعين؛ يعلم أن الفضل كله لله، وأن ما كان من خيرٍ في قوله أو عمله فبتوفيقٍ من الله لا باستحقاق ذاتي، يستمع إلى المديح سماع المتواضعين، لا سماع المغرورين، فلا يجعل من كلمات الناس مرآة لقيمته، ولا من تصفيقهم ميزانًا لحقيقته، وقد حدثنا الحكماء أن أحمق الحمقى، من نسي أنه لولا فضل الله، ما كان له ذكر، ولا أثر، ولا قبول.
ما يجري هذه الأيام يؤكد أن الطمع في الثناء على التغريدات ينسف الموازين من أصلها، ويقلب المفاهيم المتعارف عليها، ويدفع صاحبه إلى صناعة القول لا طلبًا للحق، بل طلبًا للإعجاب، وإلى اختيار العبارات لا لأنها أصدق، بل لأنها أوقع، وإلى تلوين المواقف لا لأنها أعدل، بل لأنها أكثر رواجًا.
وهنا يتحول الإنسان، من حيث لا يشعر، إلى أسيرٍ لأذواق الجمهور، يرقص على إيقاعهم، ويعدل بوصلته حيث تميل أمواج التصفيق.
والأخطر من ذلك أن هذا الطمع يُفضي إلى ذلّ الشهوة، التي أذلت ولا تزال كرامة الرجال، وجعلت من أصحاب العقول أسرى لنزوات القبول الاجتماعي.
فالمديح، حين يُطلب، يصير شهوة، وحين يُستجدى، يصير ذلاً، وحين يُقايَض عليه الموقف والمبدأ، يتحول إلى نوع من النفاق الاجتماعي الخطير، وقد صُوّر بعض العقلاء هذه الحالة تصويرًا بليغًا في تشبيها بشجرة الذل التي لا تُروى إلا بماء الحرص، ولا تنمو إلا في ظلال الجبن، ولا تورق إلا بالنفاق، ولا تثمر إلا بنسيان حساب الله، وهذه الشجرة، إنما نجدها اليوم باسقة في كثير من السلوك الرقمي، حيث يحرص البعض على كل ما يرفع التفاعل، ولو على حساب الصدق، ويجتنبون كل ما قد يورثهم نقدًا ولو كان حقًا.
ومن هنا، فإن الطمع في الثناء لا يفسد علاقة الإنسان بالناس فحسب، بل يفسد علاقة الكاتب بربه قبلاً ، إذ كيف يصدق عبدٌ، وقد جعل رضى الخلق بوصلته؟ وكيف يتقي الله من أحب الشهرة لذاتها، لا باعتبارها تبعًا للعمل الصالح؟ لقد قيل بوضوح لا لبس فيه: " ما صدق عبدٌ قط فأحب الشهرة"، وقالوا: "وما اتقى الله من أحب الشهرة"؛ لأن الشهرة، حين تُطلب، تصير حجابًا، وحين تُعشق، تتحول إلى صنمٍ معنوي يُعبد من دون الله.
ولا يعني هذا الدعوة إلى كراهية القبول، ولا إلى تعمد الخمول، وإنما يعني تحرير القلب من الارتهان للثناء، فهناك فرق بين أن يأتيك القبول وأنت لا تطلبه، وأن تطلبه ولو على حساب مبادئك، الأول نعمة قد تكون ابتلاءً، والثاني بلاءٌ محض؛ ولذلك كان من أعظم ما يصدّ عن الله كما قال بعض السلف: "طلب المحامد، وطلب الرفعة"؛ وذلك حين يصيران غاية لا وسيلة، ومقصِدًا لا أثرًا.
وفي المقابل، فإن موقف العاقل من الذم لا يقل أهمية عن موقفه من المديح، فإذا قيل فيه ما يسوؤه، لم يغضب غضب الطائشين، ولم يحقد حقد الموتورين، بل يقف موقف المحاسبة: فما كان حقًا فاللوم فيه عليه، لا على الناس، وما كان باطلاً فإما اختبار لرجولته، أو تنبيه من غفلة، أو كشفٌ لفضائل خفية لا تظهر إلا عند الخصومة، وهو على يقين بأن الدر لا يلتبس بالبلور على العارفين، وأن الحق لا يضيع عند رب العالمين، ولو خفي على جمهور المتابعين.
إن من مظاهر اختلال الوعي المعاصر أن أكثر الناس يفضلون عاجلًا فيه ضررهم، وهو الثناء السريع، والانتشار اللحظي، على آجلٍ فيه خلاصهم، وهو الصدق، والاستقامة، والعمل العميق البعيد عن الأضواء، بينما شأن عباد الله الصالحين أنهم يرضون من العاجل بما يوصل إلى الآجل، لا بما يقطع عنه، وهنا يتجلى عز الاستقامة، ذلك العز الشريف الذي لا ذل بعده، في مقابل عز الانحراف، ذلك العز الزائف الذي لا عز بعده.
وفي المجتمع الإسلامي، لا يحتاج الناس إلى تزكية أنفسهم، ولا إلى صناعة الدعايات لأشخاصهم، لأن الفضل يُعرف بأثره، والإخلاص تشهد له الأعمال لا المنشورات، والطاقات المخلصة تبرزها المسيرة الصحيحة، لا الحملات الدعائية. أما حين يختل الميزان، ويُقدَّم من يُحسن التسويق على من يُحسن العمل، فذلك إيذان بمرضٍ عميق في البنية القيمية.
وخلاصة القول: إن الطمع في الثناء على التغريدات ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل هو عرضٌ لمرضٍ أعمق، يتمثل في فقدان البوصلة الداخلية، واستبدال رضى الله برضى الجمهور، والعلاج لا يكون بالانقطاع عن العالم، ولا باعتزال المنصات، وإنما بإعادة بناء النية، وتربية النفس على الاستغناء عن المديح، والفرح به إن جاء فرح الشاكرين، لا فرح البطرين، فهناك فقط، يستعيد الإنسان كرامته، وتستقيم كلمته، ويعود للقول وزنه، وللعمل قيمته، وللثبات عزّه الذي لا يزول.
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

